مدونةالمجد الإسلامي القادم

للكاتب الإسلامي الشيخ عاطف عبد المعز الفيومي


كيف نطبق القرءان عملياً

كتبهاالشيخ عاطف عبدالمعزالفيومي ، في 10 يناير 2008 الساعة: 01:13 ص

         كيف نطبق القرءان عملياً
إذا كانت العناية ينبغي أن تتوجه للقرآن الكريم بالعلم والتعلم فإن الغرض من ذلك هو العمل والتطبيق, لا الدراسة والثقافة فحسب وهنا نبين الجوانب الأساسية المطلوبة في الجانب العملي التطبيقي للقرآن للتركيز عليها, والعناية بها, حيث أن هذا الجانب جد خطير, ومن الأهمية والعناية بمكان, لأن الله سبحانه ما أنزل القرآن إلا للتدبر لآياته الكريمة, وللعمل بما فهم من هذه الآيات, ولأخذ طرق الهداية وأسباب السعادة منه, كما قال تعالى: +كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ"[ص:29].
وقال تعالى: +إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا" [الاسراء:9].
وإن من الواجب على أمة الإسلام وعلمائها, وطلبة العلم والدعاة إلى الله, أن يكونوا القدوة الصالحة لغيرهم, في الاعتناء بتحقيق وتطبيق القرآن قولاً وعملاً, وأن يجعلوه منهاج حياة واقعي كما كان النبي × قرآنًا يمشي على الأرض كما ثبت في الأحاديث الصحيحة ذلك.
* وهذه بعض جوانب العناية العملية التطبيقية بالنسبة للقرآن الكريم كما نتصورها والتي ينبغي أن يهتم بها قارئ القرآن, وهي كما يلي:
[1] العناية بتلاوة القرآن وتدبره:
ينبغي على قارئ القرآن أن يعتني بتلاوته وتدبره, وذلك لأن تلاوة القرآن والإكثار من مطالعته هي جلاء البصائر الكليلة, وشفاء الصدور العليلة, يقول الله تعالى: +يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ" [يونس:57], ويقول: +وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا" [الإسراء: 82]. ويقول سبحانه: +وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا"[النساء: 174].
والقرآن مع كونه نورًا وشفاء هو أيضًا روح, وللروح آثاره, ومن آثاره الحياة والنمو والقوة, والسمع والبصر, قال تعالى: +وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا" [الشورى:52].
فإذا تلمس المسلم هذا الروح, واحتال لإيجاد الصلة بينه وبين قلبه, سرت تياراته وإشراقاته في كيانه كله وزالت الفوارق والحجب التي تفصل بين قلبه وبين القرآن, وهنا يحس هذا القلب بالحياة والقوة والنور والخشية والحنان تملأ وجوده([1]).
وإن من الواجب على كل مسلم أن يتدبر هذا القرآن العظيم، وأن يتفهم آياته ومعانيه، وأن يعيش معه بروحه وفكره ووجدانه كما قال تعالى: +كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ"[ص: 29]وقال أيضًا: +أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا"[محمد: 24]، قال العلامة ابن سعدى رحمه ا÷:
«أي: فهلا يتدبر هؤلاء المعرضون القرآن كتاب ا÷، ويتأملونه حق التأمل، فإنهم لو تدبروه، لدلهم على كل خير، ولحذرهم من كل شر، ولملأ قلوبهم من الإيمان، وأفئدتهم من الإيقان، ولأوصلهم إلى المطالب العالية، والمواهب الغالية، ولبين لهم الطريق الموصلة إلى ا÷،و إلى جنته ومكملاتها، ومفسداتها، والطريق الموصلة إلى العذاب وبأي شيءٍ تحذر، ولعرفهم بربهم، وأسمائه وصفاته وإحسانه، ولشوقهم إلى الثواب الجزيل ورهبهم من العقاب الوبيل»([2])
ولا يخفي علينا ما للتدبر من آثارٍ وفوائد وقد كان رسول الله × يتدبر القرآن، ويردده وهو قائم بالليل، حتى أنه في إحدى الليالي قام يردد آيةً واحدةً من كتاب ا÷، وهو يصلي لم يجاوزها حتى أصبح، وهي قوله تعالى: +إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"[المائدة: 118] رواه أحمد، وهذا يدل على وجوب تدبر القرآن الكريم ومعايشة آياته وفهم معانيه وما تدعوا إليه, لأن القرآن فيه توحيد، ووعد ووعيد، وأحكام وأخبار، وقصص وآداب،وأخلاق وآثارها في النفس متنوعة.
وقد كان صحابة النبي × يقرأون ويتدبرون، ويتأثرون وكان أبو بكر رضي ا÷ عنه رجلاً أسيفًا رقيق القلب، إذا صلى بالناس وقرأ كلام ا÷ تعالى لا يتمالك نفسه من البكاء، ومرض عمرt
من أثر تلاوة قول ا÷ تعالى:
+إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ
` مَا لَهُ مِن
دَافِعٍ
"[الطور: 8،7].
وقال عثمان بن عفان t: لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام ربنا، وقتل شهيدًا مظلومًا ودمه على مصحفه، وأخبار الصحابة في هذا كثيرة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل به, فإن لم تكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين، وصدق القائل:
فشمر ولُذْ بالله واحفظ كتابه

 
                 ففيه الهدى حقًا وللخير جامع

 
هو الذخر للملهوف والكنز والرجا
 
                           ومنه بلا شكٍ تُنال المنافع

 
به يهتدي من تاه في معمعة الهوى

 
                           به يتسلى من دهتهُ الفجائع

وحتى يصل القارئ المسلم إلى ذلك عليه اتباع الخطوات العملية التالية:
أ- القراءة اليومية للقرآن:
يقول الله سبحانه وتعالى: +وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ" [القمر:17]
وبما أننا بدون التلاوة الدائمة نفقد التذكر اللازم, ونفقد الحالات الإيمانية العالية, فالله عز وجل وصف تأثر المؤمنين بالقرآن بقوله تعالى: +اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ" [الزمر:23], وقال سبحانه: +إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا" [مريم:58].
إن هذه المعاني لا يحصلها الإنسان إلا بتلاوة دائمة لكتاب الله, وتذكر ما فيه ليحيا قلبه فتجيش فيه هذه المعاني ([3]).
وقد كان للنبي × ورده اليومي يقرؤه في صلاة الليل, فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «إن كان رسول الله × ليوقظه الله عز وجل بالليل فما يجئ السحر حتى يفرغ من حزبه» رواه أبو داود.
وقد كانت تلاوة القرآن دأب الصحابة وعملهم الدائم فقد روى أبو داود عن أوس بن حذيفة: سألت أصحاب النبي × كيف يحزبون القرآن؟ قال: «ثلاث, وخمس, وسبع, وإحدى عشرة, وثلاث عشرة, وحزب المفصل وحده».
إذا كان القرآن بالنسبة للصحابة محور كل شيء عندهم, ثم أصبح القرآن منسيًا عند الكثيرين من مسلمي عصرنا فلابد لنا من عودة طيبة للكتاب, يصلح به آخرنا كما صلح أولنا, وانظر هذا النص لتدرك مقدار حرص الصحابة على الاشتغال بالقرآن دون سواه: «عن جابر بن عبد الله بن يسار قال: سمعت عليًا يقول: اعزم على كل من عنده كتاب إلا رجع فمحاه فإنما هلك الناس حيث اتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم».
فلابد أن يكون لنا وردنا اليومي من كتاب الله تلاوة في المصحف لمن لم يحفظ أو تلاوة من المحفوظ, وقد ذكر العلماء:
أن القراءة من المصحف أعظم أجرًا, والحد المعتدل أن يختم القرآن في الشهر مرة, فإن لم يكن ففي كل أربعين يومًا, وفي ذلك ضمان حياة القلب وضمان حياة المعاني الإسلامية في أنفسنا([4]).
ب- التأمل والتدبر أثناء القراءة:
مع الوقوف على كل عبرة ومعنى, وقد أشرنا إلى أهمية التدبر فيما سبق كما أنه يفضل أن تكون القراءة في خلوة هادئة ولاسيما خلوات الليل حيث يشف القلب, وتنكشف أغطية النفس والله تعالى يقول: +أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" [محمد:24]ويقول سبحانه: +كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ" [ص:29].
إن هذه القراءة على هذا النحو سبيل لفتح أغلاق القلوب, وسطوع أنوار القرآن في آفاق النفوس, وبهذا يحصل الانتفاع
الحقيقي بكتاب الله تعالى.
قال ابن مسعود t: لا تهذوا القرآن هذا الشعر, ولا تنثروه نثر الدقل, وقفوا عند عجائبه, وحركوا به القلوب, ولايكن هم أحدكم آخر السورة([5]).
ولننظر إلى حال الرسول × الذي قرأ القرآن أولاً بتروٍ وتدبر, حتى أنه وهو في صلاته إذا مر بآية عذاب تعوذ, وإذا مر بآية فيها تسبيح سبح, وإذا مر بسؤال سأل, وإذا مر بآية فيها رحمة سأل الله من فضله, وكان × يبكي من شدة تأثره به وتأمله لمعانيه سواء من قراءته بنفسه أو سماعه من غيره, فعن عبد الله بن مسعود tقال: «قال لي النبي ×: «اقرأ علي», قلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك نزل؟ قال: «نعم» فقرأت سورة النساء إلى هذه الآية: +فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا". قال:«حسبك الآن», فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان» رواه البخاري ومسلم.
ج- استشعار سماع القراءة من الله:
وينبغي أن نقرأ القرآن كأنما نسمعه من الله سبحانه وتعالى وهذا أمر يكاد يكون من البدهيات التي نغفل عنها, فالقرآن كلام الله, خاطبنا به, ووجهه إلينا, وأبسط مقتضيات هذا, أن نصغي إلى هذا المتكلم العظيم, ونحسن الاستماع إليه: +وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ"[الأعراف:204].
والإنصات إلى الله لا يكون بالأذن, بل بالقلب وبوعيك كله, وهي منزلة تقتضي من الإنسان مرانًا ورياضة وتدرجًا في مقاماتها الرفيعة([6]).
ولهذا يقول ابن مسعود t:«إذا سمعت الله يقول: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا" فأصغ لها سمعك, فإنه خير تؤمر به, أو شر تصرف عنه».
د- أن يكون غرض القراءة إعداد الإنسان:
وينبغي أن نقرأ القرآن على أن الغرض الأسمى له هو: إعداد الإنسان للدار الآخرة, فما في القرآن من روح, وما جاء فيه من قصص الجهاد, وما ضمنه من نظم الاجتماع, وما أودعه من القوانين والمعارف, ليس مقصودًا لذاته, أو ليس غاية تنتهي إليها أهداف الإسلام, وإنما يراد بها إيقاظ القلوب بدلالتها على الله, وإحاطتها بكل وسيلة مادية أو معنوية لتكون في القلوب سليمة حية, حتى يمضي بها المرء إلى غايتها الأخيرة, فعلينا أن نلاحظ هذا المعنى في كل آية, فإن العبرة لا تكمل إلا به, وجمال التوجيه لا يظهر بدونه([7]).



([1])عدة الداعية للدكتور فرج الوصيف (ص55،54).
([2]) تيسير الكريم الرحمن,لابن سعدى ص(788).
([3])جند الله ثقافة وأخلاقًا (ص82،81).
([4])المصدر السابق (ص82).
([5])زاد المعاد لابن القيم (ج1/ص340).
([6])تذكرة الدعاة للبهي الخولي (ص307).
([7])نفس المصدر (ص351).
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



اللهم اجعلنا من المخلصين وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين